يزيد بن محمد الأزدي

117

تاريخ الموصل

طولون ؛ وسبب ذلك أن المعتضد سار من دمشق بعد أن ملكها نحو الرملة إلى عساكر خمارويه فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عساكره وكثرة من معه من الجموع ؛ فهمّ بالعود فلم يمكنه من معه من أصحاب خمارويه الذين صاروا معه ، وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق وابن أبي الساج ونسبهما إلى الجبن ، حيث انتظراه ليصل إليهما ففسدت نياتهما معه . ولما وصل خمارويه إلى الرملة نزل على الماء الذي عليه الطواحين فملكه ، فنسبت الوقعة إليه ، ووصل المعتضد وقد عبأ أصحابه وكذلك أيضا فعل خمارويه وجعل لهم كمينا عليهم سعيدا الأيسر . وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت ، فلما رأى ذلك خمارويه ولم يكن رأى مصافا قبله ، ولى منهزما في نفر من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب ولم يقف دون مصر . ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه وهو لا يشك في تمام النصر ، فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر وانضاف إليه من بقي من جيش خمارويه ونادوا بشعارهم ، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد ووضع المصريون السيف فيهم . وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد ؛ فركب فانهزم ولم يلو على شيء ، فوصل إلى دمشق ولم يفتح له أهلها بابها ، فمضى منهزما حتى بلغ طرسوس وبقي العسكران يضطربان بالسيوف وليس لواحد منهما أمير . وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده فأقام أخاه أبا العشائر ، وتمت الهزيمة على العراقيين وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير . وقال سعيد للعساكر : إن هذا أخو صاحبكم ، وهذه الأموال تنفق فيكم . ووضع العطاء فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال . وسيرت البشارة إلى مصر ففرح خمارويه بالظفر وخجل للهزيمة ، غير أنه أكثر الصدقة وفعل مع الأسرى فعلة لم يسبق إلى مثلها أحد قبله ، فقال لأصحابه : إن هؤلاء أضيافكم فأكرموهم ، ثم أحضرهم بعد ذلك ، وقال لهم : من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة ، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه ، فمنهم من أقام ومنهم من سار مكرما ، وعادت عساكر خمارويه إلى الشام ففتحته أجمع فاستقر ملك خمارويه له « 1 » . وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق .

--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 7 / 414 ، 415 ) .